سؤال حول ارتباط الشيعة بأهل البيت (ع) تشريعًا وتكوينًا

س: ذكرتم في بحثكم [الارتباط التكويني بين الشيعة والإمام الحسين (ع)] أننا الشيعة مرتبطون بأهل البيت عليه السلام تشريعيًا لأننا نقتدي بهم ونسير على نهجهم فكرًا وعملاً، كما أننا مرتبطون بهم تكوينيًا لأننا خلقنا من طينتهم، فما هي طبيعة العلاقة بين هذين الارتباطين؟ هل الارتباط التكويني علة للارتباط التشريعي أم أنه معلول له؟ وإذا كان علة بحيث تكون خلقتنا من طينتهم عليهم السلام سببًا لهدايتنا إلى سبيلهم أفلا يلزم من ذلك الجبر باعتبار أنّ العلاقة بين العلة والمعلول علاقة تكوينية لا تتخلّف فيكون ارتباطنا التكويني بأهل البيت عليهم السلام علة لا تتخلّف لارتباطنا التشريعي بهم؟ وعلى هذا يكون الارتباط التكويني ظلمًا – والعياذ بالله – لأن معنى ذلك أن الله تبارك وتعالى ربط بعض الناس بأهل البيت عليهم السلام تكوينيًا فأجبرهم على الطاعة والولاية بينما لم يربط أناسًا آخرين بأهل البيت عليهم السلام فأصبحوا مجبورين على المعصية والنفور من الولاية، فما هو الجواب عن شبهة الجبر؟

هل تأثير الارتباط التكويني على الارتباط التشريعي اقتضائي أم أنه فعلي؟ وإذا كان على نحو الاقتضاء فهل معنى ذلك أنّ هناك أناسًا ارتبطوا بأهل البيت عليهم السلام تكوينيًا ومع ذلك لم يرتبطوا بهم تشريعيًا فكان مصيرهم إلى النار وفي قبالهم أناس لم يرتبطوا بهم تكوينيًا ولكن ارتبطوا بهم تشريعيًا فصار مصيرهم إلى الجنة؟ وإذا فرضنا أنّ التأثير على نحو العلية التامة فما هو الجواب عن شبهة الجبر؟

هذا كله على فرض أن الارتباط التكويني علة للارتباط التشريعي (وهذه هي الصغرى) بعد أن نُسَلِّم بأن المعلول لا يتخلّف عن علته (وهذه هي الكبرى)، أمّا إذا قلنا أنّ الارتباط التكويني معلول للارتباط التشريعي بمعنى أنّ الله تبارك وتعالى علم منذ الأزل بأنّ هناك فئة من الناس يريدون أن يرتبطوا بسبيل الحق تشريعيًا – وهو سبيل أهل البيت عليهم السلام – فشرّفهم بأن خلقهم من طينتهم لعلمه بأنّهم سيرتبطون تشريعيًا بهم، فحينئذ لا يواجهنا إشكال الجبر.

وبعبارة مختصرة السؤال هو: هل أنّ الارتباط التكويني علّة للارتباط التشريعي أم أنّه معلولٌ له؟ وعلى فرض أنّه علّة فما الجواب عن شبهة الجبر؟

 

الجواب

ج: يوجد رأيان في المقام :

أ – ما نسبه العلامة السيد عبد الله شبّر ( قده ) في مصابيح الأنوار 1 / 13 إلى أكثر الأصحاب ، وهو أنّ الارتباط التشريعي علّة للارتباط التكويني .

ب – ما تبناه بعض المعاصرين من كون الارتباط التكويني علّة للارتباط التشريعي ، ولكن على نحو الاقتضاء ، فهو في الحقيقة جزء العلة وليس علة تامة .

وكلا الرأيين ممكنان ثبوتاً ، وعلى ضوء كلٍ منهما يندفع محذور الجبر .

وأما قولكم في ضمن السؤال : (( فإذا كان على نحو الاقتضاء فهل معنى ذلك أن هناك أناسًا ارتبطوا بأهل البيت [عليهم السلام] تكوينيًا ومع ذلك لم يرتبطوا تشريعيًا فكان مصيرهم إلى النار وفي قبالهم أناس لم يرتبطوا بهم تكوينيًا ولكن ارتبطوا بهم تشريعيًا فصار مصيرهم إلى الجنة؟ )) فالجواب عن شقه الأول بالإيجاب في الجملة ؛ لأن الارتباط ما دام اقتضائياً فمن الممكن أن يتحقق الارتباط التكويني دون التشريعي ، إلا أنَّ المصير إلى النار ليس لازماً .

وأما الجواب عن شقه الثاني : فهو بالسلب ، لأن الارتباط التكويني بحسب الفرض جزء العلة ، والعلة ما لم تتحقق كل أجزائها ، لا يمكن أن يتحقق معلولها ، كما لا يخفى .

وإنما حرم الله هؤلاء نعمة الارتباط التكويني بأهل البيت ( عليهم السلام ) لعلمه بمآل حالهم بسوء اختيارهم ، وعلمه تعالى – كما لا يخفى – ليس موجباً لجبرهم ، بل هو كعلمنا – للتقريب فقط – بأن الشمس تغرب الليلة أو تشرق غداً ؛ إذ من الواضح أنه غير دخيل في تحقق شروقها أو غروبها .

ولتوضيح الفكرة ككل : إنَّ قوام التشيع بتحقق الارتباط التكويني الاقتضائي مع أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهذا الارتباط – وجوداً أو عدماً – وليد علم الله تعالى بما سيختاره الإنسان في حياته بمحض إرادته من طريق الهدى أو الضلال ، وبالتالي فهناك نحو ملازمة بين الارتباطين التكويني والتشريعي ، ومتى ما تحققَ الأخير – ولو في مرحلة متأخرة من العمر كما هو الحال عند المستبصرين مثلاً – كان كاشفاً عن تحقق الأول من الأول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *