أسئلة حول فقه الاستهلال

س: عندي بعض الأسئلة وجهّها لي أحد الإخوة السنة نتيجة للاختلاف في يوم العيد… هناك رواية مروية عن طريق السنة وعن طريق الشيعة يوجد مشابه لها وهي: “صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ”.

1/ قد يفهم من الحديث أن الرؤية قد تكون بالعين المجردة أو غيرها.

2/ قد يقال إنه في ذلك العصر لم يكون هناك التقدم التكنولوجي وسرعة التواصل مع الدول البعيدة التي ثبت فيها الهلال كما هو موجود في هذا العصر وبالتالي قيّد دخول الشهر ونهايته بالعين المجردة على سبيل المثال، لكن لوجود التقدم التكنولوجي حاليًا وفي ظلّ سرعة التواصل بين جميع أنحاء العالم هل لا زلنا مقيدين بالرؤية بالعين المجرة فقط دون الأخذ بعين الاعتبار ثبوت الهلال في دول أخرى؟

3/ بما أننا نعيش في كوكب واحد وهناك قمر واحد فقط، وعند ثبوت الهلال في منطقة من مناطق الأرض يستلزم أن الهلال سوف يثبت في المناطق اللاحقة ولو بعد ٢٤ ساعة (يوم كامل) أو حتى أقل، ومع وجود التقدم التكنولوجي يمكن أن يُرى الهلال في تلك المنطقة ثم يخبر أهل البلدان البعيدة بثبوت الهلال هناك وبالتالي يبنوا على ثبوت الهلال حتى لو لم يُرَ بالعين المجردة.

الجواب

ج 1 / الرؤية منصرفة إلى الرؤية بالعين المجردة ، ولا تعم الرؤية بواسطة الآلات الحديثة ، والمنبّه على ذلك : أنه حين يُقال عن شخصٍ قد رأى الهلال بالمنظار : ( إنّ فلاناً رأى الهلال ) يصح الاستنكار عرفاً ، فيقال : إنه لم يره بعينه ، مما يدل على أن العرف يفهم من لفظ ( الرؤية ) خصوص الرؤية بالعين المجردة .

ج 2 / هذه المسألة محل خلاف شديد بين الفقهاء ، فبعضهم لا يعتبر اتحاد الأفق في ثبوت الهلال ، بل يكفي عنده اشتراك بلدين من البلدان ولو في بعض الليل ، وبالتالي فمتى ما تمّ ثبوته في أحد البلدين ثبت في الآخر ، وبعض الفقهاء يمنع من ذلك ، وسر هذا الاختلاف هو تعدد النصوص وتعدد فهمها .

وأما مسألة التقيد بالعين المجردة فهو بسبب تقييد الشارع باتفاق جميع المسلمين ، ولا يمكننا أن نرفع اليد عن هذا التقييد إلا إذا أثبتنا على نحو الجزم واليقين بأن الحكم الشرعي لا يرتبط بالهلال ذي الحجم المرئي بالعين المجردة ، ودون إثبات ذلك خرط القتاد .

ج 3 / لا يخفاك – أخي العزيز – أن الأحكام الشرعية تابعة لملاكات ومصالح واقعية ، ومرتبطة في قسم وافر منها بشرائط تكوينية ، كالغروب والفجر والزوال ، بحيث لا يكون الحكم فعلياً إلا إذا تحقق ما هو مرتبط به ، كوجوب صلاة المغرب مثلاً ، فإنه لا يكون فعلياً إلا إذا تحقق الغروب .

ومن الواضح أنّ الغروب إذا تحقق في منطقةٍ كالقطيف مثلاً ، يكون الوجوب فيها فعلياً ، ولكنه لا يكون في المدينة المنورة كذلك إذا لم يتحقق الغروب فيها .

وهكذا هو أمر الهلال ، فإنه أمر تكويني ، وقد ربط الشارع به حكماً شرعياً ، كوجوب الصوم أو وجوب الإفطار ، وذلك حين يكون بالحجم الذي تراه فيه العين المجردة .

ومن الواضح أنه حين يُرى بالنحو المذكور في بلدٍ ما يكون الحكم المرتبط به فعلياً ، وبما أنه لا يكون بالضرورة كذلك في بعض البلدان الأخرى ، فإن الحكم المرتبط به لا يكون فعلياً فيها ، فهو من هذه الناحية كالغروب والزوال ونحوهما من الأمور التكوينية ، فتأمل جيداً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *