تاريخ المحاضرة: 25/01/1448
نقاط البحث:
- التوازن النفسي العاطفي
- الاهتمام بلغة الجسد
- تحويل البر من عبء التكليف إلى متعة الشغف
- بناء البر على قانون اللامعاوضة
- حسن الظن بالأبوين
- بر الوالدين وظيفة أبدية
اليوتيوب:
تسجيل مأتم بن جمعة:
تسجيل محمد السنان:
شبكة الضياء > مكتبة المحاضرات > محرم الحرام > محرم الحرام 1448
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته،
{ قراءة في أبعاد دعاء الإمام السجاد عليه السلام لأبويه }
و لانزال منذ عهد عالم الذر في ركب مسير الرثاء ، فها هي الليلة التي لم يحتمل بقاءها عالم الكفر و الغدر ، فما لم تناله أيديهم التي لم تنفك تربصًا بالدماء نالته بِسَمِّ المكر !! و إيهٍ يا ليلة الرحيل و الأزوف كم أوجعتِ شغاف القلوب التي تئِنُّ أسىً لكم ساداتي نور عيني روحي فداكم ؟!.
….. وا لهفتاه على خزانة علمك السجاد ، و هو يقاد بالأقياد … و يصيح وا ذلاّه أين عشيرتي و سراة قومي …. أين أهل ودادي … منهم خلت تلك الديار …. { يا بقيّة الله الفرج }
ابتدأت محاضرة الليلة عقيب رثائها الوجيع ، بمقتطف من دعاء الإمام زين العابدين روحي فداه في دعائه لأبويه روحي فداهم : { …. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَهَابُهُمَا هَيْبَةَ السُّلْطَانِ الْعَسُوفِ، وَأَبَرُّهُمَا بِرَّ الاُمِّ الرَّؤُوفِ …}
رسم السيد الجليل السيد ضياء حفظه الله أولى خطوط المحاضرة ضمن هذا المقطع المبارك من الدعاء عبر الإشارة إلى نقطتين:
١- إن التعامل مع أدعية أئمة الهدى روحي فداهم خزائن و مناهج تربوية و أخلاقية وحيانيّة فياضة بالمعرفة.
٢- ترجمة مفهوم بر الوالدين من خلال خطيّن :
أ- فالأول كما هو المتعارف عليه عامةً هو تكليف واجب القيام به ، و هو أمر لا بد من التخلص من تبعاته !
ب- و الثاني هو الخط و الترجمة الحقيقيّين اللذان وُلِدا من رحم الشريعة الإسلامية الغرّاء عبر ثقليها القرآن الكريم و العترة الطاهرة روحي فداهم ، فإمامنا زين العبّاد و سيّد السّجاد روحي فداه قنّن هذا المفهوم { بر الوالدين } ، بأنه فن أخلاقي تربوي ينبغي على الإنسان التعامل به بإجادة حسنة .
و هنا ( ضمن صياغة المقطع الذي ترتكز عليه محاضرة الليلة ) نبتديء مع سماحة سيدنا الجليل برسمه اللوحة الطيبة الطاهرة لمحاضرة الليلة من جهة ، و نحن الذين ننظر إليها بالقلوب الواعية بمشيئة الرحمن و بركات سيدتي و مولاتي الزهراء روحي فداها ، عبر الخطوط التالية :
– الخط الأول : قانون التوازن العاطفي النفسي في التعامل مع الأبوين ، و هذا القانون كمكيال ميزان يحمل في جهة الهيبة و جهة تحمل البر ، و مثاله ( سلطان جائز و علاقته مع رعيته مبنيةٌ على الخوف و البُعد ، و أخرى بين الأصدقاء سُقيت جذورها بماء عذبِ قُربِ المودة و التفاهم ).
و هنا إشارة جميلة من سيدنا الجليل و تحذير أبويّ للأبناء ، بالحذر من إسقاط الحدود بينهم و بين الآباء ، و التأكيد على حفظ الحدود و الآداب بالتعامل معهم ، فذاك يبقى شجرة المحبة وافرة الظلال ( يستظلون بها في وقتٍ شكت الأرض من الجفاف و أُحيلت صحراء قاسية ! ).
– الخط الثاني : الاهتمام بلغة الجسد في التعامل مع الأبوين ( و في عالمنا المعاصر فإن علم لغة الجسد يعزز أهمية أثره بنسبة ٩٣٪ ) ، و تطبيقه هنا من مقطع آخر من الدعاء المبارك { أللَّهُمَّ خَفِّضْ لَهُمَا صَوْتِي، وَأَطِبْ لَهُمَا كَلاَمِي، وَأَلِنْ لَهُمَا عَرِيْكَتِي، وَاعْطِفْ عَلَيْهِمَا قَلْبِي، وَصَيِّرْنِي بِهِمَا رَفِيقاً، وَعَلَيْهِمَا شَفِيقاً } ، فهُنا الهدوء و حسن اختيار الألفاظ المنبثقة من محبّة قلبيّة صادقة يُراد بها وجه الله تعالى و رضاه ، يجعل الابن والدًا رؤوفًا شفيقًا على والديه ، { و لعمري هذا مصداقه الإلهيّ الأبرّ و الأحنّ مولاتنا و سيدتنا الزهراء روحي فداها أمّ أبيها } .
– الخط الثالث : تحويل البر من عبء التكليف إلى متعة الشغف ، و هنا يقرأ السيد الجليل مقطع آخر من الدعاء المبارك { وَاجْعَلْ طَاعَتِي لِوَالِدَيَّ وَبِرِّيْ بِهِمَا أَقَرَّ لِعَيْنِي مِنْ رَقْدَةِ الْوَسْنَانِ، وَأَثْلَجَ لِصَدْرِي مِنْ شَرْبَةِ الظَّمْآنِ حَتَّى أوثِرَ عَلَى هَوَايَ هَوَاهُمَا } ، { و لعل هذا المقطع قد بلغ من القوة مبلغًا شديدًا في فحواه و مضمونه ، من الحث على الإيثار و التفضيل للأبناء تجاه الآباء ،و هذا ما قل نظيره و وجوده ! }.
– الخط الرابع : بناء البر على قانون اللامعاوضة ، { لربما كان هذا قانون التجارة الذي نشهده اليوم ! عرض و طلب ! } فالتعامل مع الوالدين يندرج تحت ثلاثة عناوين :
أ- تضخيم العطاء من قبل الآباء للأبناء ، و تحجيم العطاء المقدم من قبل الأبناء للآباء، و هذا قول الإمام زين العابدين روحي فداه { وَأَسْتَكْثِرَ بِرَّهُمَا بِي وَإنْ قَلَّ وَأَسْتَقِلَّ بِرِّي بِهِمَا وَإنْ كَثُرَ } .
ب- العفو الاستباقي : و هنا التربية الإسلامية البحتة في تنشئة الجيل المطيع المؤدب المهذب الشاكر الغافر ، و يأتي ضمن قوله روحي فداه { أللَّهُمَّ وَمَا تَعَدَّيَا عَلَيَّ فِيهِ مِنْ قَوْل، أَوْ أَسْرَفَا عَلَىَّ فِيْهِ مِنْ فِعْل، أَوْ ضَيَّعَاهُ لِي مِنْ حَقٍّ أَوْقَصَّرا بِي عَنْهُ مِنْ وَاجِب فَقَدْ وَهَبْتُهُ وَجُدْتُ بِهِ عَلَيْهِمَا، وَرَغِبْتُ إلَيْكَ فِي وَضْعِ تَبِعَتِهِ عَنْهُمَا } .
ج- تخطئة فكرة المقاصة و المثل بالمثل : ( و هنا يجب الحذر كل الحذر من استهداف الأبناء لآبائهم ضمن أخذ الحق بدعوى القصاص أو بذاك القانون الوضعي الذي دُرّس لغاية في نفس يعقوب : لكل فعل ردة فعل تساويها بالمقدار و تعاكسها بالاتجاه ! و اتخاذ الفردية الاستقلالية رمزًا للحياة الواهمة التي ابتُلينا بها بدعوى الثقافة و الحرية المستوردة من أدمغة لا تدرك سوى أرقامًا حسابيةً و كأن البشر قد حوّلوا إلى أدوات تخلو من الفكر و الإحساس!).
هنا وضع الإمام زين العابدين روحي فداه اللبنة الأولى لبناء شخصية الابن المسلم و إرساء قواعد بنيانه السليمة ضمن تربية محمّديّة قرآنيّة تجاه التعامل مع والديه ، في قوله { فَهُمَا أَوْجَبُ حَقّاً عَلَيَّ، وَأَقْدَمُ إحْسَانـاً إلَيَّ وَأَعْظَمُ مِنَّةً لَـدَيَّ مِنْ أَنْ أقَاصَّهُمَـا بِعَدْل، أَوْ اُجَازِيَهُمَا عَلَى مِثْل، أَيْنَ إذاً يَا إلهِيْ طُولُ شُغْلِهِمَا بِتَرْبِيَتِي؟ وَأَيْنَ شِدَّةُ تَعَبِهِمَا فِي حِرَاسَتِيْ؟ وَأَيْنَ إقْتَارُهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا لِلتَّوْسِعَةِ عَلَيَّ؟
هَيْهَاتَ مَا يَسْتَوْفِيَانِ مِنِّي حَقَّهُمَا، وَلاَ اُدْرِكُ مَا يَجِبُ عَلَيَّ لَهُمَا وَلا أَنَا بِقَاض وَظِيفَةَ خِدْمَتِهِمَا }.
– الخط الخامس : حسن الظن بالأبوين ، و هنا بلغت المحاضرة ذروة التشويق إذ عرض السيد الجليل المقطع التالي من دعاء إمامي زين العابدين روحي فداه { وَرَغِبْتُ إلَيْكَ فِي وَضْعِ تَبِعَتِهِ عَنْهُمَا فَإنِّي لا أَتَّهِمُهُمَا عَلَى نَفْسِـي، وَلاَ أَسْتَبْطِئُهُمَا فِي بِرِّي، وَلا أكْرَهُ مَا تَوَلَّياهُ مِنْ أَمْرِي يَا رَبِّ فَهُمَا أَوْجَبُ حَقّاً عَلَيَّ، وَأَقْدَمُ إحْسَانـاً إلَيَّ } ، و أبرَز الفترة بين زمن الآباء و زمن الأبناء و احتمالية وجود فجوات بين هذه الأزمنة ، مما يؤدي إلى تغاير الأفكار بين جيل كل زمن ! فزمن الأبناء عامةً لا يتقبل النصح احتماءً منه بقوة التعليم المتطور المصاحب بالتكنولوجيا و عناصرها ، و زمن الآباء الذي أصيب بمقتل الخيبة و الأسى و الصدمة مما لقيه من عدم استجابة من هذا النشيء !! { و تلكم الشائكة من الأمور تعود بنظري لذلكم القول الشريف : تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس ، فبذرة الأبناء يجب أن تكون منتقاة بعناية جيدة و تسقى بماء جيد و يُهتم بها خلال نموها جيدًا حتى تصبح شجرًةً جيدةً لا تهزها رياح التغيير و لا تقتلعها زلازل الأيام و حوادثها ! } .
– الخط السادس : بر الوالدين وظيفة أبدية ، حيث هُنا تكتمل لوحة المحاضرة الراقية و الجميلة ، في قول إمامي زين العابدين روحي فداه { أللَّهُمَّ وَإنْ سَبَقَتْ مَغْفِرَتُكَ لَهُمَا فَشَفِّعْهُمَا فِيَّ، وَإنْ سَبَقَتْ مَغْفِرَتُـكَ لِي فَشَفِّعْنِي فِيْهِمَا } ، و هو مصداق قوله سبحانه و تعالى في سورة الطور المباركة : { وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ (21) } ،
نعم المحاضرة الليلة ، و نعم المُربي الفاضل السيد الجليل سيد ضياء حفظه الله تعالى و أدام عزه ، و نعم السيد الوالد الفقيد السعيد السيد عدنان رحمه الله تعالى .
و عروج حيث الرثاء المنتظر …. هل قطع الرؤوس لنا عادة ؟ ما أفجعه من تساؤل ؟! ….. نحّل ترى عظامي و لذيذ العيش ما طاب …. ما خلّت لنا كربلاء شيخ و لا شاب …. عاينت صدر حسين تحت الأعوجية …. أي واحسيناه ……. { يا بقيّة الله الفرج }.
دعائي لله سبحانه و تعالى بحق الغريب العطشان سيدي و مولاي أبي الضّيم روحي فداه و بحق ابنه زين العُبّاد و سيّد السُّجّاد مولاي إمامي عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب روحي فداهم ، أن يرعانا و يشملنا بعطفه و حنانه و رحمته و يجعلنا في ركب سفينة نجاة رعاية مولاتي السّيدة الزّهراء روحي فداها .
{ أعظمَ اللهُ أجورنا بمصابنا بالحسينِ عليهِ السلامِ وَ جعلنا وَ إياكمُ منَ الطالبينَ بثأرهِ معَ وليّهِ الإمامِ المهديَّ منْ آلِ محمدٍّ عليهمُ السلامَ } .
الحنينَ
الكويتُ
السبت الخامس و العشرون من المحرم الحرام 1448 هـ
الموافق الحادي عشر من شهر يوليو 2026 م
الساعة : ٥:٢٧ م .