هل خلق الله تعالى نزعة الشر في الإنسان؟

س: يشكل البعض بقولهم هَذَا الإِنْسَانُ، مَنْ الَّذِي خَلَقَهُ وَخَلَقَ بِدَاخِلِهِ نَزْعَةَ الشَّرِّ؟ أَلَيْسَ الخَالِقُ؟ إِذَنْ: مَهْمَا لَفَّ المُؤْمِنُونَ وَدَارُوا فَإِنَّهُمْ سَيَصِفُونَ خَالِقَهُمْ بِصِفَةِ الشَّرِّ فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ، وَإِمَّا سَيَنْفُونَ وُجُودَ الخَالِقِ مِنْ الأَسَاسِ حَتَّى يَسْتَطِيعُوا حَلَّ المُعْضِلَةِ!

رابطة فذكر الثقافية

الجواب

ج: لا يخفى أنّ أصل الإشكال مبني على تصوّر أنّ الله تعالى قد خلق نزعة الشر داخل الوجود الإنساني ، ولكنّنا لا نسلّم للمستشكل هذا الأصل ؛ لأنّ الذي نعتقده – على ضوء المعارف الإلهية الوحيانية – أنّ الله تعالى قد خلق الإنسان وأودعَ فيه مجموعة من القوى والغرائز والنزعات ، وزوّده – إلى جانب ذلك – بنور الفطرة الذي يميز به بين سبيل الخير وسبيل الشر ، كما زوّده أيضاً بالإرادة والاختيار ، وبذلك فإنه قد جعل الإنسانَ يمسك بعصاه من الوسط ، وجعل له الخيار ليحدد مساره وهويته .ولا بأس أن نسوق مثلاً لتتضح الفكرة ، فنقول : إنّ الله تعالى قد أودع لدى الإنسان غريزةَ حب الذات مثلاً ، وهذه الغريزة إن استفاد منها في الاهتمام بنفسه والدفاع عنها والخوف عليها في الحدود المشروعة ، فقد سلك بها سُبُلَ الخير ، وإن استثمرها في تملك ما له وما ليس له ، والتجاوز على حقوق الآخرين من أجل مصلحة ذاته ، فقد سلك بها سُبُل الشر ، وهكذا .

ومحصّل الإجابة : أنّ الإنسان – بحسب التكوين والخلقة – لا جنبة للشر في وجوده ، وإنما تلكَ الغرائزُ والنزعات مجرّد مقتضيات له إن لم يصغِ لنداء الفطرة ويهتدِ بنورها ، وإلا فهي مقتضيات للخير وموصلة إليه .

وقد يستشكل في ذلك بمثل قوله ( تبارك وتعالى ) : { وَ نَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها } بتوهّم أنّ إلهام الفجور يعني إيجاد نزعة الشر في جبلّة الإنسان .

ولكنّ هذا الإشكال غير وارد ، فإنّ المراد بهذه الآية – وأمثالها – هو ما ذكرناه من تزويد الإنسان بنور الفطرة الذي يميز به طريق التقوى وطريق الفجور ، فيكون معنى الآية أن الله تعالى قد خلق الإنسان وألهمه ما به فجوره وما به تقواه ، ولهذه الآية نظائر أخرى في القرآن الكريم ، كقوله تبارك وتعالى : { وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ } ، وقوله : { إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً } .فاتضح مما ذكرناه أن أساس الإشكال ساقط ، وعليهِ فما بُني عليه مثله في السقوط وعدم الصحة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *