النعشُ المقيّدُ

على الجسرِ مِنْ بغدادَ نعشٌ مُقيَّدُ
ينوحُ له خيرُ البرايا محمَّدُ
على الجسر مُلقىً والسلاسلُ حولَهُ
فللهِ نعشٌ بالحديدِ مُصفَّدُ
أيُحملُ بالأغلالِ نعشُ ابنِ فاطمٍ
ومِنْ حولهِ كلُّ الملائكِ حُشَّدُ
فهل يا تُرى ذا نعشُ موسى بن جعفر
أم العرشُ عرشُ الله فيه مُمدَّدُ
وهَلْ يا تُرَى هذا المُسجَّى ابنُ جعفرٍ
أم المصطفى خيرُ البريّةِ أحمدُ
بلى إنّهُ طه تجسَّدَ في ابْنِهِ
فأعْظِمْ بمَنْ فيهِ النبيُّ مُجسَّدْ
قضى مِنْ سنيِّ العمرِ ردحاً مقيَّداً
يؤلِّمهُ ثقلُ الحديدِ ويُجهِدُ
وأعظمُ خطبٍ أنَّ وجهاً مقدَّساً
على خدّهِ مُدَّت لسجَّانهِ يدُ
يدٌ لطمتْ وجهَ البتولةِ قبلَهُ
بلطمِ بنيها لم تزلْ تتجدّدُ
وسوطٌ تلوّى فوق طُهْرِ مُتونِها
بهِ قد غدَا بابُ الحوائجِ يُجلَدُ
ودُسَّ لهُ سمٌّ نقيعٌ بأكلهِ
فكانتْ بهِ أحشاؤُهُ تتوقّدُ
إلى أنْ قضَى بالسمِّ في السجنِ مفرداً
فللهِ مَيْتٌ في المَطاميرِ مُفْرَدُ
وشِيلَ معَ الأقيادِ للجسرِ نعشُهُ
وفي ساقهِ رَضٌّ على القيدِ يشهدُ
بنُو المرتضى قد أُورِثُوا منهُ قيدَهُ
ولكنَّهم لمَّا قضوا لَمْ يُقيَّدوا
فما مرَّ في التاريخِ نعشٌ لميّتٍ
يُشالُ على الأعناقِ وَهْوَ مُصفَّدُ
سوى مَن قضى في السجن موسى بن جعفرٍ
إمامُ البرايا العابدُ المتهجِّدُ
لقد حملوهُ والسلاسِلُ لم يَزَلْ
صداها وإنْ طالَ المدى يتردّدُ
ولُفَّت على الجسمِ الشريفِ عباءةٌ
كأنَّ بها قد لُفَّ والله فرقدُ
وجيءَ بهِ للجسرِ والناسُ شامتٌ
وآخرُ مسرورٌ وثالثُ مُكْمَدُ
وأُلقيَ فوقَ الجسرِ نَعْشٌ بهِ الهدى
بل الشِرْعَةُ الغَرَّاءُ لا بل محمَّدُ
فيا عجباً للجسرِ قَرَّ ووجهُ مَن
بهِ الأرضُ تُسقى عن رِداهُ مُجرَّدُ
وصيحَ عليهِ بالتفرُّجِ فاغتدى
لهُ العرشُ والأفلاكُ والأرضُ ترعدُ
أنعشُ وليِّ الله يُصبِحُ فُرْجَةً
فتلكَ لعمري جمرةٌ ليس تبردُ
أَيوطأُ بالأقدامِ نعشُ مَن السما
وأملاكُها طُرّاً لهُ تتودّدُ
لَعَمْرُكَ قد جلَّ المصابُ فما جرى
إلى الحشرِ تبقى نَارُهُ تتوقّدُ

تعليق واحد على “النعشُ المقيّدُ”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *