الكتاب عبارة عن دراسة في شخصية السيدة رقية بنت سيد الشهداء الحسين (عليهما السلام) وتاريخها ومظلوميتها وبعض شؤونها، مع دفع الإشكالات المثارة حولها.- المادة الأولية للكتاب كانت محاضرات منبرية، مع إضافات كتبية مهمّة.
- طُبِع في شهر ذي الحجّة من عام 1447هـ عن دار المحجّة البيضاء في بيروت، في 184 صفحة.
- يتضمّن ثمان محطّات:
- لمحات تاريخية من حياة السيدة رقية (ع)
- شخصية السيدة رقية (ع) فوق دعاوى التوهيم
- قصّة السيدة رقية (ع) مؤاخذاتٌ ومعالجاتٌ
- حكمة اصطحاب الإمام الحسين (ع) للسيدة رقية (ع) إلى كربلاء
- السيدة رقية (ع) في وصية سيد الشهداء (ع) لعياله
- السيدة رقية (ع) ومقام الوسيلة
- مرقد السيدة رقية (ع)
- السيدة رقية (ع) لُحْمة الرسول الأعظم (ص)
- تصفّح المقدّمة والفهرس
مقدمة الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد للهِ ربِّ العالمين، وصلى الله على أشرف بريته وخير خلقه، محمّد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.
(1)
من جملة الهجمات الحادّة التي يشهدها العالم الشيعي في زماننا: الهجمة الشرسة على المنبر الشريف وخطبائه الكرام، وتتضمّن هذه الهجمة اتّهامًا غير شريف لخطباء المنبر بالكذب وعدم التورّع عن تداول الأخبار الموضوعة والخرافات المكذوبة.
ولا يكتفي البعض بهذا الاتّهام، بل يوغل في الفجور في الخصومة فيزعم كاذبًا أنَّ الخطباء الكرام يمارسون ذلك من باب محبوبيّة الإبكاء، وأنَّ الغاية تبرّر الوسيلة، ولعمري إنّه لكذبٌ فاضحٌ للغاية؛ إذ لا أحد من العلماء قد قال بمشروعيّة ذلك، ولا أحد من الخطباء -فيما نعلم- قد أقدم على فعل ذلك تشبّثًا بالحجّة المذكورة.
والذي يؤسفنا جدًّا أنَّ هذه الهجمة يُُسوَّق لها على قدم وساق، ولشدة التسويق لها فقد أصبح البعض مهووسًا بها، إلى الحدّ الذي أصبح يتذمّر فيه من كلّ موروث، ويطرب معه لكلّ نقد أو تكذيب، وإن كان يفتقر لأبسط الموازين العلمية.
وقد ألقى الأمر بظلاله -للأسف الشديد- على بعض جمهور المنبر الشريف، ففقدوا التفاعل مع المصائب التي تتناولها المنابر؛ لأنَّهم صاروا يشكُّون في جميع الأحداث الكربلائية التي يسمعونها من المنبر الحسيني المبارك ويرتابون فيها، ولعمري لو لم يكن لأولئك الذين يقفون وراء هذه الهجمات من تبعةٍ إلا هذه لكفت، وإلا فإنَّ ما اضّلعوا به جنايةٌ مؤسفةٌ في حقّ المنبر المبارك، وتضييع لجزءٍٍ من التاريخ الكربلائي.
(2)
وما زالت هذه الهجمة المستعرة تأكل الأخضر واليابس، ولا تبقي ولا تذر، حتى إنّك تكاد تشعر من بعض المتبنين لها أنه لا يسلم من أصالة التشكيك -التي جعلوها أصلًا مسلّمًا عندهم- إلا قتل سيد الشهداء (عليه السلام)، وما يدريك لعلّه أيضًا يأتي اليوم الذي يتغوَّل فيه تشكيكهم فينكرونه هو الآخر، فإنَّ زماننا زمان منكوس، وأيامه حبلى بالمفاجئات القاتمة السوداء.
ولا أطيل عليك -قارئي العزيز- ولا أوجع قلبك بأكثر مما أوجعته، ودعني أبوح لك بأنَّ بعض الأخضر الذي حاولت أن تأكله نارُ هؤلاء هي مولاتنا وسيدتنا السيدة رقية بنت سيد الشهداء الحسين (على أبيها وعليها أفضل التحيّة والسلام)، فبين مشكّكٍ في أصل وجودها، وبين مشكّكٍ في مصيبتها، وبين مشكّكٍ في مرقدها، وبين مشكّكٍ في كلّ ذلك.
ولا أضع جميع هؤلاء في خانة واحدة، فمنهم: الباحث النزيه الذي قصر تتبّعه، أو لم تسعفه أدوات بحثه، فكبا كبوة الجواد، ومنهم: مََن لم نعرفه -منذ عرفناه- بغير التشكيك، وكأنه مصاب بمرض مزمن لا علاج له، فلا ينتهي من التشكيك في قضية إلا ويردفها بأخرى، وليته ادّخر شيئًا من جهده المبذول في التشكيك لتحكيم موازينه العلمية وصقل ملكته البحثية، وتشييد ظلامة أهل البيت (عليهم السلام) على ضوئها، عوضًا عن اللهاث الشديد وراء التشكيك في شواهد مظلوميتهم (عليهم السلام) بغير منهج ولا دليل.
(3)
وكيف كان، فإني قد تتبّعت ما قالوه وأثاروه حول السيدة الجليلة رقية (عليها السلام)، لا سيما في المؤلفات العربية -كتبًا ومجلّات ومقالات- بل وفي غيرها أيضًا بمقدار ما وسعني، وأجبت عمّا طرحوه، رغم ما استلزمه ذلك من البحث عن العديد من المخطوطات والتنقيب فيها، وانتهيت إلى أنَّ منهج حشد القرائن -وهو أحد تطبيقات دليل حساب الاحتمال- يفضي بالباحث -الذي لم يتلوّث بشوائب المنهج التشكيكي- إلى الاطمئنان بوجود السيّدة رقية (عليها السلام)، وما وصلنا من عظيم مصابها، وصحّة انتساب مرقدها الشريف في دمشق الشام إليها.
كما أنني حاولتُ أن أستفيد من بعض الكبريات -الصالحة للانطباق على السيّدة رقيّة (عليها السلام)- لإبراز مكانتها العظيمة وشأنها الرفيع، وأودعتُ جميع ذلك في ثنايا هذا الكتاب، معترفًا بالفضل لمن سبقوني في هذا الطريق، شاكرًا لجهودهم، ومثمّنًا لفوائدهم، وسائلًا من الله تعالى أن يتقبل منّا ومنهم بأحسن القبول، وأن يرزقنا وإياهم ألطاف هذه السيدة المظلومة الجليلة (عليها السلام) في الدنيا والآخرة.
وقد تمَّ الفراغ من تبييض هذه الصحائف، وتحرير هذه الكلمات، وأنا أنعم بجوار أشرف الخلق الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله) وبضعته الصدّيقة الكبرى (عليها السلام)، وأولادهما الأئمة النجباء (عليهم السلام)، سائلًا من الله تعالى ألا يحرمني نعمة جوارهم في الدارين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
ضياء ابن المرحوم خادم أهل البيت (عليهم السلام) السيد عدنان الخبّاز القطيفي
ليلة الجمعة 27 / صفر الخير / 1447هـ